مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وحاجة الجسم إلى الترطيب والتبريد، تتكرر على مسامعنا عبارة: "اشرب 8 أكواب ماء يوميًا"، سواء من الأطباء أو المختصين أو حتى عامة الناس. ونرى كثيرًا من الأشخاص يصطحبون قارورة الماء معهم أينما ذهبوا.
لكن ما أصل هذه القاعدة؟ وما مدى صحتها؟
تشير الدراسات والتوصيات العلمية إلى أن أصل هذه القاعدة يعود إلى عام 1945، حين أوصت إدارة الغذاء والتغذية التابعة للمجلس الوطني للبحوث في الولايات المتحدة بأن الإنسان البالغ يحتاج إلى نحو 2.5 لتر من الماء يوميًا.
لكن هناك تفصيلًا مهمًا جدًا غالبًا ما يتم تجاهله وإغفاله في هذه التوصية؛ إذ إنها لم تقتصر على تناول الماء النقي فقط، بل شملت جميع السوائل التي يتناولها الإنسان، مع الإشارة إلى أن جزءًا كبيرًا من احتياجات الجسم المائية يأتي من الطعام، ولا سيما عند تناول الخضروات والفواكه.
وللأسف، ومع مرور الوقت وتناقل هذه النصيحة، اختفى هذا التفصيل المهم، واقتصر الأمر على الجملة المختصرة: "اشرب 8 أكواب من الماء يوميًا"، لتصبح واحدة من أكثر القواعد انتشارًا في أنماط الحياة الصحية.
لكن ماذا يقول العلم الحديث؟
أثبتت العديد من الدراسات العلمية التي أُجريت خلال العقود الماضية أن احتياجات جسم الإنسان من السوائل تختلف من شخص إلى آخر، وتعتمد على عدة عوامل، منها:
• حجم الجسم وتركيبته.
• مستوى النشاط البدني.
• المناخ والظروف الجوية.
• الحالة الصحية.
• النظام الغذائي.
فكلما زاد حجم الجسم، زادت حاجته إلى السوائل. كما أن ممارسة النشاط البدني تؤدي إلى زيادة فقدان السوائل عن طريق التعرق. كذلك فإن درجات الحرارة المرتفعة والأجواء الجافة ترفع من معدل فقدان السوائل. وقد تؤدي بعض الأمراض المزمنة أو الأدوية المستخدمة في علاجها إلى فقدان كميات إضافية من السوائل. أما النظام الغذائي، فيؤثر في كمية السوائل التي يحصل عليها الجسم، زيادةً أو نقصانًا، بحسب نوع الطعام وكميته.
ويُعد العطش مؤشرًا طبيعيًا وموثوقًا لدى الأشخاص الأصحاء، إذ يعمل بكفاءة للمحافظة على توازن السوائل في الجسم. كما تشير الدراسات العلمية إلى أن شرب الماء عند الشعور بالعطش والتوقف عند الشعور بالارتواء يكفي للحفاظ على الترطيب دون الحاجة إلى احتساب عدد الأكواب.
ويُستثنى من ذلك كبار السن، الذين قد تتراجع لديهم حاسة العطش مع التقدم في العمر، مما يستدعي الحرص على شرب الماء بانتظام.
كيف نعرف أن الجسم بحاجة إلى الماء؟
هناك مؤشرات بسيطة يمكن من خلالها تقييم حالة الترطيب في الجسم، منها:
• لون البول.
• عدد مرات التبول.
• جفاف الفم.
• الصداع.
• التعب والإرهاق.
ختامًا
ورد عن الإمام جعفر الصادق قوله: «إياكم والإكثار من شرب الماء، فإنه مادة لكل داء»، وروي عنه أيضًا: «من أقلَّ من شرب الماء صحَّ بدنه».
كما بيَّن عليه السلام آداب شرب الماء بقوله: «إذا شرب أحدكم فليشرب في ثلاثة أنفاس، يحمد الله في كل منها: الأول شكر للشربة، والثاني مطردة للشيطان، والثالث شفاء لما في جوفه».
إن المحافظة على الترطيب أمر مهم لصحة الإنسان، لكن الأهم هو فهم احتياجات الجسم والاستجابة لها وفق الظروف الفردية، بعيدًا عن التمسك بقواعد عامة قد لا تناسب الجميع.



